يشهد البحر الأحمر والقرن الأفريقي مرحلة دقيقة تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وتزايد التنافس على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والموارد الطبيعية، الأمر الذي جعل من بناء الشراكات الإقليمية المستقرة ضرورة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية إلى آفاق أرحب تتعلق بالأمن والتنمية والاستقرار المستدام.
وفي هذا السياق، تبرز الشراكة الاستراتيجية السودانية–الإريترية بوصفها إحدى أهم الركائز القادرة على الإسهام في صياغة توازنات إقليمية أكثر استقراراً، انطلاقاً من ما يجمع البلدين من روابط تاريخية، ومصالح متبادلة، ورؤية مشتركة تجاه أمن البحر الأحمر ومستقبل القرن الأفريقي.
فالسودان يمثل جسراً استراتيجياً يربط شمال أفريقيا بشرقها ووسطها، ويطل على البحر الأحمر عبر ساحل ذي أهمية متزايدة، كما يمتلك موارد زراعية ومائية ومعدنية ضخمة تؤهله ليكون أحد أهم محركات التنمية الإقليمية. وفي المقابل، تتمتع إريتريا بموقع جيوسياسي فريد على البحر الأحمر، وساحل طويل، وموانئ واعدة، وموارد طبيعية متنوعة، بما يجعلها شريكاً طبيعياً في بناء منظومة إقليمية تقوم على التكامل الاقتصادي والاستقرار السياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين السودان وإريتريا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد علاقة حسن جوار، بل باعتبارها شراكة استراتيجية تفرضها الجغرافيا، وتدعمها المصالح المشتركة، وتقتضيها متطلبات الأمن الإقليمي. فالحدود المشتركة، والامتداد الاجتماعي والثقافي بين الشعبين، وحركة التجارة والتواصل الإنساني، جميعها عوامل أسهمت في ترسيخ علاقة تتجاوز الإطار الرسمي إلى فضاء أوسع من التفاعل المجتمعي والمصالح المتبادلة. الشعوبالإفريقية وشعوب الشتات
وقد أظهرت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أهمية استمرار التشاور السياسي والتنسيق الاستراتيجي بين السودان وإريتريا في مواجهة التحديات المتصاعدة التي يشهدها البحر الأحمر و القرن الأفريقي، فقد أكدت مواقف البلدين أن استقرار السودان يمثل مصلحة استراتيجية لإريتريا، كما أن أمن إريتريا واستقرارها يشكلان بعداً أصيلاً من أبعاد الأمن القومي السوداني، ويعكس هذا الإدراك المشترك رؤية سياسية تقوم على أن الأمن المستدام لا يتحقق إلا عبر ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون الإقليمي، ومعالجة أسباب عدم الاستقرار من جذورها.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ينبغي أن تنتقل من مستوى التنسيق السياسي إلى مرحلة التكامل الاقتصادي والمؤسسي، باعتبار أن التنمية أصبحت اليوم أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، فالسودان يمتلك قاعدة واسعة للإنتاج الزراعي والحيواني والثروة المعدنية، إضافة إلى إمكانات كبيرة في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، بينما توفر إريتريا موقعاً بحرياً متميزاً، وموانئ استراتيجية، وفرصاً واعدة في مجالات التعدين، والثروة السمكية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، و يمثل الجمع بين هذه المقومات فرصة حقيقية لإنشاء مشروعات استراتيجية مشتركة في مجالات الزراعة، والصناعات الغذائية، والتعدين، والطاقة، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، بما يعزز التجارة البينية، ويرفع القيمة المضافة للموارد الوطنية، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار، ويزيد من قدرة البلدين على الاستفادة من موقعهما الجغرافي في خدمة التجارة الإقليمية والدولية. فنوترفيه
كما تكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الموانئ، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والطاقة، والمعادن الاستراتيجية، من أبرز محددات القوة و النفوذ. ومن ثم، فإن تطوير التعاون في مجالات النقل البحري، وربط الموانئ بمراكز الإنتاج والأسواق، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، يمثل استثماراً استراتيجياً في مستقبل البلدين، ويسهم في تعزيز مكانتهما ضمن منظومة الاقتصاد الإقليمي.
ولا يقتصر التكامل المنشود على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس التنمية المستدامة، فالتعاون في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والصحة، والثقافة، وبناء القدرات، يمثل ركيزة أساسية لترسيخ العلاقات بين الشعبين، وإعداد أجيال قادرة على قيادة مسيرة التنمية والتكامل في المستقبل، بما يحول العلاقات الثنائية إلى شراكة ممتدة تستند إلى المعرفة والثقة والمصالح المشتركة. الشعوبالإفريقية وشعوب الشتات
وعلى الصعيد الأمني، تفرض طبيعة البيئة الإقليمية تعميق الشراكة الاستراتيجية السودانية–الإريترية بوصفها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالتحديات العابرة للحدود، بما في ذلك الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، والهجرة غير النظامية، والتهديدات البحرية، تستدعي تنسيقاً مؤسسياً مستداماً يقوم على تبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير آليات التعاون في إطار الاحترام الكامل لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
و يحتل البحر الأحمر مكانة محورية في هذه الرؤية، ليس فقط باعتباره ممراً حيوياً للتجارة العالمية، وإنما بوصفه فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً تتقاطع فيه مصالح الدول المطلة عليه، ومن ثم، فإن تطوير الشراكة السودانية–الإريترية في مجالات الأمن البحري، وإدارة الموانئ، والخدمات اللوجستية، وحماية الممرات البحرية، يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ويدعم قدرة دول المنطقة على إدارة مصالحها بصورة أكثر استقلالاً وفاعلية.
ومن منظور استراتيجي، فإن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تكمن في قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي من عامل للتنافس إلى مصدر للقوة المشتركة، عبر بناء شبكة متكاملة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتنموية.
فالتجارب الدولية أثبتت أن الدول التي تنجح في بناء مصالح متبادلة ومؤسسات تعاون راسخة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر استعداداً لتحقيق التنمية المستدامة وحماية أمنها الوطني، و لكي تحقق هذه الشراكة أهدافها المنشودة، فإنها تتطلب إطارا مؤسسيا بضاعف مجالات التعاون التي أرستها الاتفاقيات الثنائية، ويدفع نحو إطلاق مشروعات استراتيجية في مجالات التجارة، والزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين، والطاقة، والسياحة، والتعليم، والبحث العلمي، إلى جانب تشجيع دور القطاع الخاص، وتوسيع الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الوطنية، بما يرسخ الشراكة الاستراتيجية، ويترجم الإرادة السياسية إلى إنجازات عملية تخدم المصالح المشتركة للبلدين و الشعبين الشقيقين.
كما تتيح هذه الشراكة فرصة لإعادة صياغة مفهوم التعاون الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية الخلافات بالحوار، وإعلاء المصالح المشتركة، بما يعزز قدرة دول المنطقة على صياغة أولوياتها الاستراتيجية بعيداً عن الاستقطابات، وبما يخدم الأمن الجماعي والتنمية المستدامة.
إن السودان وإريتريا، بما يمتلكانه من عناصر تكامل حقيقية تؤهلهما لبناء نموذج إقليمي ناجح تتمثل في موارد طبيعية ضخمة، وعمق جغرافي، وإمكانات بشرية، و موقع استراتيجي وموانئ ومقومات بحرية. يمكن أن يمتد أثره الإيجابي إلى فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأسره، ويعزز فرص التكامل الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والتعاون الأمني بين دول المنطقة. الشعوبالإفريقية وشعوب الشتات
و في المحصلة، فإن الشراكة الاستراتيجية السودانية–الإريترية ليست مجرد خيار سياسي تفرضه ضرورات المرحلة، بل هي استحقاق تمليه حقائق الجغرافيا، وتشابك المصالح، ووحدة المصير في بيئة إقليمية متغيرة. فكلما تعمقت هذه الشراكة واتسعت مجالاتها، إزدادت قدرة البلدين على الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز التنمية، وبناء منظومة إقليمية أكثر توازناً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن بناء شراكة استراتيجية سودانية – إريترية راسخة لا يمثل خياراً سياسياً عابراً، بل ضرورة تفرضها حقائق الجغرافيا، وتشابك المصالح، واستحقاقات الأمن والتنمية، و إذا نجح البلدان في تحويل هذه الرؤية إلى مؤسسات ومشروعات وشبكات مصالح مستدامة، فإنهما لن يسهما فقط في ترسيخ الاستقرار على ضفتي البحر الأحمر، بل سيقدمان نموذجاً إقليمياً قادراً على نقل القرن الأفريقي من منطق التنافس والصراعات إلى أفق التكامل والشراكة والتنمية المستدامة.
و في ضوء ما يجمع السودان وإريتريا من إرث تاريخي، وتشابك في المصالح، ووحدة في الاعتبارات الاستراتيجية، فإن آفاق الشراكة بين البلدين تبدو واعدة في ظل وجود الإرادة السياسية الحالية و الحكمة و القوة و الإيمان الراسخ المتوفرة لدى قيادة البلدين في ترجمة هذه الرؤية إلى برامج ومشروعات ومؤسسات مستدامة. فالتحديات التي تواجه المنطقة، على تعقيدها، يمكن أن تتحول إلى فرص حقيقية لبناء فضاء إقليمي أكثر استقراراً وتكاملاً، متى ما اقترنت الرؤية الاستراتيجية بحسن التقدير المتوفر بجدارة الآن، وتغليب المصالح المشتركة، والالتزام الراسخ بمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة والتعاون البنّاء. وعندئذٍ لن تمثل الشراكة السودانية–الإريترية ركيزة لاستقرار البلدين فحسب، بل ستغدو نموذجاً إقليمياً يحتذى به في توظيف الجغرافيا والتاريخ لخدمة الأمن والتنمية والازدهار المشترك.
فالجغرافيا وحدها لا تصنع التحالفات السياسية المستدامة، وإنما تصنعها الرؤية الاستراتيجية التي تحول الجوار إلى شراكة مستدامة، ومصالح مستقبلية مشتركة.
** سفير جمهورية السودان لدى دولة إريتريا